المُزمَل بالحزم والعزم يَترَجَّل


المُزمَل بالحزم والعزم يَترَجَّل



بقلم : أحمد المجرفي

جدي العزيز…زاحمتني عِباراتٍ جليلة ذات معانٍ عظيمة، أحرقتني ذكرياتها المُتوهجة ليعانقها الحنين، ويُدميها الأنين، فقد أسْبلت الشمس أجفانها عندما تَجرعنا مَضض رحيلك، فلا أناملي تجود ولا رثائي يتألق في وصف خِصالك الجليلة ومناقِبك السامية الجميلة، وجُبلة الإنسان المُّلتحف بالأمل والتفاؤل والرضى بما قَسمهُ الله له، وإرادة الكِفاح بِكُّلِ حَزمٍ وعزم، ومُّتعةِ الجهاد النَبيل في حَقْلِ النِضال النابِض بالعَطاء الذي لا ينْضَب مَعينهُ أبداً.

عـَـجــائبُ أحــداثٍ تــليــهــا عــجــائبٌ * وصَــبْــري عـلى تـلكَ العـجـائِب أعْـجَـب

جدي العزيز… بِرحيلك أيقنا حقيقةَ الحياة وحقَ الموت، وأنَّ الذاهبينَ بعيداً هُم الذاهبينَ عَميقاً، الذين يَضعُونَ لمساتـِهم وبَصماتـِهم ثُّم يَرحلون، وحِينَ تَنْـتَشِي الذَاكرة على رَحيلهم تنتشر بعدها التفاصيل والفواصِل ولا يَبقى للبَوحِ من لِسانٍ يَمزح ولا شُّفةٌ تُقدح.

ماذا أقولُ ودمعُ العينِ ذبّاحُ * وكأسُ قلبي يُريق العشق إن راحوا

أيُّها المُّندَلي المُطيّر لا مُشقَّقْ ولا مُّكَسر والمغطى بتراب الحياة وأحَسبُ أنكَّ غَمَرتهُ طِيباً، قد فارقتَ أحباب وأصحاب، وتوجهت لربِ الأرباب، غني عمَّا تَركت، وفقيرٌ لِما قدمت، نُشَيُّعك بـإنا لله وأنا إليه راجعون، وأنت المُشَّعْشِع في بَصائِرنا والراسخِ في ذاكرتنا وأفئدتنا.
كُنتَ الأقْوَى في تَجَّلِياتِ عطائك وصَبرِك وَجلدِك، وتحَمُّلك وكِفاحك لمَصائد الحياة وأقدارها وحَسبُك أنكَ من الفُقراء الذين عَرفوا الجوع والضَياع وفُقدان الأمل الذي يَسبح في دَيْمُومة المعاناة الإنسانية باحثاً عن فُرصة مَنشودة لتحقيق الذَات، فُرصة رُبما كُنتَ تعلم أنهُ مِن المُستَعصِي أن تُـتِيحُها لك أشواك الحياة لأجلِ التشَّبُث بالبقاء في حُضنِ وَطنٍ لا يَكادُ يَبين آنذاك قبل تولي مولانا السلطان ليرى أنهُ ما عُيَّب الإنسان يومًا على قِلَّةِ مالِه وهو كادحٌ لمعيشته يغمرهُ الأمل والتحدي رَغم قَسوةِ الزمن ومُرَّ الحياة، نعم فهكذا يَشقى الرجال بِنضَالهم لتعيش أُسَّرهم حياة كريمة وأنَّ تِلكَ التَجاعِيد التي رُسِمت على وجهِك العَطِر النقي الزكي هي مَخطَّطُ كفاح لأجلِ لُقمة العيشِ وكيف أن الزمن قد حَدّدها بلِثام قَسْوته المُّرعبة التي تقضُّم الجلاميدَ الصُّم وتقضُّم الجِبال طولا من مِحنةِ الإغتراب والكَرب ومُفارقةِ الأهلِ والأحباب.

جدي العزيز… جذَّرت في نَفسك وفي صَدرك ضِرام الحَزمِ والعزم فَزاحمتَ النُجومَ خلقاً، وسابقت الغُيوم لُطفاً، وأثَرتَ العَواطِف والأشجانَ حباً وسخاءاً، ففاحتْ نَسائمك النقية كما تَهِبُّ رائحة السَمندُوري وروائِح الجوري.
كان يتماهى رِحمه الله مع طَرحِه البسيط للفِكرة ويَخلُص مِنها إلى تأكيد العِبرة، ويَعشقُ الأرض المَجْبُولة ببساتِينها العَامرة، ونَخيلها الباسِقة، ومَحاصيلِها الزاهية، وأحضَانِها الدافئة، ولم يُرغمهُ الشَيب والهَرم عن التَمسُّك بِصلاته وقراءتهِ لكتابِ الله في كل وقتٍ وحين، بل يَجد في قراءتهِ لذة وراحة وسكينة ووقار كأن مَنطِق حاله يقول:

هو صاحبي، إن عزَّ خلٌ صـادقٌ* وسميرُ قلبي لو يَظِنُ زماني
هو منهجــي، أنعم بنهجٍ خطهُ * رب العبـــاد لأمةِ الإيمانِ

دَاهمهُ المرض على حِين غَفلة فاستعصت عليهِ الجَلطة وَجعلتهُ مُتلعثِم اللِسان فَأيقن شُعوراً أن النهاية تَزِفُهُ إلى مَوعدهِ الأخير فَذرفَ دموعاً سَخينة انسَابت على وَجنتيه كأنهُ يَنطِق مُعتذراً وَمُودعاً، ولم يَبتَسم لنا الأمل لنَرى فُرصة أخيرة من حياته لِعجز الأطباء على شِفائه، فَكانت لحَظاتُه الأخيرة كما سَطرتها المُمَرضة وكانت شاهدة عليه أنه استفاقَ من غَيبُوبَته لبُرهة ثم استغفر رَبه وأخلصَ بالدُعاء له ثم نَطق أشهدُ أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله وأرادَ أن ينطق الثانية إلا أن إرادةَ الله حَالة دُون نُطقهِ لها، وهَكذا خاتمةِ أهلِ الصلاح والفلاح مِمَن صَدقوا ما عاهدُوا الله عليه فَرحِم الله قارئ القرآن وأسكنهُ الجنان.

‏يا راحلاً، وجميل الصَّبر يتبعه* هل من سبيل إلى لقياك يتَّفق؟!
ما أنصفتك جفوني وهي دامعة*ولا وفى لك قلبي وهو يحتــرق!

رَحلَ ومشاعِرنا تَهفو إلى يومٍ من أيامه، وواحةٍ من آفاقه، فَجِنانُهُ وَافِرة بالعَناقيد التي سَيقْطِرُها الزمن ويَعتِقُها، وسَنستَقِيها جيلاً بَعد جيل…فرحِم الله تِلك الأبْدان وأسكنها الجِنان مع نبينا العدنان.

بقلم حفيدك

أحمد المجرفي

 


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com